وشـاء الـهـوى .. }


-
-
أخرج سلاحه من درج سيارته وترجل منها .. تسبقه في ذلك دمعاته .. 
القى جسده المنهك على رمال الصحراء الباردة علّها تطفىء قليلاً من لهيبٍ إشتعل بجوفه 
كانت الساعة تشير إلى 10,30 مساءاً ليومـ الخميس .. 
فجأة يرن هاتفه النقال .. 
اللعنة حظي العاثر لن يتركني حتى في أقصى بقاع الأرض :
- البيت يتصل بك .
- الو .
- بابا متى بترجع البيت .
كانت هذة الاربع الكلمات كفيلة بأن تذيب أقسى القلوب فكيف بقلب أنهكه العشق 
- مارح أطول .
- يعني بعد كمـ ؟
- بعد ساعة .. 
- بابا أنا أحبك .
- بصوت تغلبه العبرة وأنا بعد أحبك .
وبعد أن أنهى المكالمة قال وبحسرةٍ وألمـ شديدين سامحني يَ منصور . 
أمسك مسدسه وضغط على الزناد ..
..
في ذات الزمان كانت تجلس وسط الحشود قبلها يبكي وشفتاها تبتسمـ مجبرةً .. 
لاتهمـ السنين التي أنقضت وحياتها التي سلبت منها عنوة ووهبت لغيرها على طبق من ذهب .
اليومـ وهنا تحديداً تتمنى أن تنتهي بها الحياة .. عقلها وكل جوارحها غير مصدقة ما يحدث معها وما هي فيه 
ها هي تموت ثانية .. هنا وبعد أربع سنين يَ لحظها العاثر ..
- ألف مبروك يا عروسة .. 
- لوهلة أبتسمـ قلبها وماكاد أن يفعل حتى توقف عن النبض لمـ يكن هو من قالها بل خالد ..
- ادري انش مجبورة تتزوجيني بس هذا قدرنا ..
- تقدر تأجل كلامك لبعدين لا الوقت ولا المكان مناسب ..
-.. صوتش عذب .
- آآآه لو أن بإستطاعة صوتي أن يغير من قدري الذي جمعني بك شيئاً ..
-
-
أن تسرق حياتك من بين يديك بغير وجه حق وتحاول الوقوف جاهداً بعدها شيء صعب .. ولكن أن تعود الحياة لتلعب معك مجدداً و بنفس الدناءة وتسرقك منك مرة أخرى أمر في غاية السذاجة ..
-
-



-2-

عهود الله يأخذش أبتسمي فضحتينا بتخلين اللي مايسوى يتشمت فيش . 
-يمه خليني في حالي اللي فيني يكفيني . 
كانت سارة وحصة تقتربان من المنصة بحجة المباركة لكن ما تبطنه سريرتهما كان العكس . 
نفثتا سمهما حولي وأنصرفتا , لم ألتفت لما قالتا كان يشغل بالي كيف أنهن يطربن لحزني ويرقصن على جراحي من أي البشر هن أما يكفينيَ ما أنا فيه . 
لمعت دمعة على خدي في الوقت الذي لم تكن الأرض تتسع لخالد من فرط الفرح , و شاءت الأقدار أن يلحظها وبحنكة غير معهودة منه يأشر لأختيه ويسأذنهما في الدخول قبل أن تلحظ إحدى الحاضرات ذلك .
في الغرفة دخلت في نوبه بكاء عنيفة , بدأت أرتجف وبشكل مثير للخوف . ولأني أضربت عن الطعام في اليومين التي سبقت زواجي أغمى عليّ . 
وبعد ساعة لمـ أعلم فيهما ماحدث لي أفقت على صوت سائقي للمذبح أخي مهدي .
-أنت بخير ؟؟ 
-أوف إنت وش جابك هنا ؟ 
-جيت أشوف مصيبتش الله يأخذش مثل ما أنتِ تبين توطين روسنا وحده تنهار في يومـ عرسها وتقومـ تهلوس بأسمـ واحد باعها علميني من اللي قد سبقش وسواها .
ذلحين وش أقول لزوجش لما سألني من مشعل اللي كنتِ ترددين أسمه وأنتِ فاقدة الوعي ولا وش بيقول عنش .
-كان سألت نفسك قبل تبيعني لواحد مثله , ماشفته كيف كان يرتجف وماهو بقادر يسيطر على نفسه وكله من السم اللي يشربه الله يأخذه ويأخذك معه قل آمين .
أقترب مني وبقبضته القوية والتي أعتدت عليها بكثرة في الأيامـ التي سبقت زواجي خنقني وبقوة
- والله لا أذبحش وأعد ربي ما خلقش 
لو عاد أسمعش تتكلمين معي بهالطريقة أحسن لش تشيلين التافه ولد عمش من راسش وتعيشين مع زوجش لأن ماهو بفي صالحش ترجعين لي مطلقة .
-
تمنيت لو أنه لمـ يفلت قبضته تمنيت لو أن حياتي إنتهت قبل أن يبدأ عذابي الأكبر والذي حول ليلتي والتي من المفترض أن تكون من أجمل الليالي إلى كابوس كئيب .
بعد أن أنصرف { مهدي } دخل خالد جلس على طرف السرير ولم يهمس ببنت شفه . 
وأنا الأخرى كنت منكفئة على نفسي أحاول التظاهر بالنوم وقد بدأت أدخل في سكراته لولا أن صوت بكاؤه أيقظني .
كان يبكي كالطفل وبحرقه لم أتمهل ولادقيقة حتى أصبحت تحت قديمة . 
وبنبرة يسيطر عليها الخوف .
-ليش تبكي ؟!!
لم يجبني وأستمر على تلك الحال لما يقارب الساعة ثم قال .
-صار لي شهر من أول ما خطبتش وأنا أحاول أكون أنسان غير حتى الشراب خففت منه وكله عشان أبداء حياة جديدة بس .
نفض رأسه عله يطرد بعض الأفكار منه وحاول النهوض لكنني منعته .
-بس أيش كمل !!
-حياتي الجديدة رح تنبني على تعاستش , أدري انش مجبورة بس توقعت يكون ماضيّ الأسود هو السبب 
ما توقعته يكون شيء ثاني .
الأيام كفيلة بأن تمحى كل الألم مهما كان نوعه إلا ألم الحب فأنه يتجدد رغماً عنا ليذيب الروح ويفتك بما تبقى من الجسد .
أنسحبت بهدوء وكان في داخلي صوت يسألني كيف أمضى مشعل ليلته الأولى معها وعلى أيه حال أشرقت عليهما شمس الصباح .
ترك خالد الغرفة وبعد هنيهة دخلت والدته . 
-كل الناس قالوا أن أخوانش ظلموش لأنهم أجبروش تتزوجين ولدي . حتى أنا كنت أشفق عليش بس اليوم وبعد ما شفت ولدي يبكي بسبتش وفي الليلة اللي مفروض أنها تكون أجمل ليلة في حياته ,
أحذرش لو أشوف دموعه مرة ثانية بسبتش رح تشوفين شيء عمرش ما رح تنسينه .
خرجت هي لتواصل الأصوات في داخلي التساؤل عن حاله في تلك اللحظات وماذا كان يفعل .

-3-

-
ترنح مشعل طويلاً حتى وصل باب سيارته بعد عجز في إزهاق روحه ولسوء حظه نسي المسدس .
ركب سيارته ورفع صوت المسجـِل محاولاً الإتصال بـ { محمد } صديق عمره , كان يقودها بسرعة جنونية غير آبه بحياته . وكان يحدث نفسه سأموت الليلة لامحالة فإن منعني صوت منصور من قتل نفسي ستقتلني سرعتي . 
إلا أن الأقدار شاءت أن يصطدمـ بعائلة مكونه من الأب والأمـ وطفليهما. ليتوفى أحد الأطفال في الحال وليعيش هو أسوء ليالي عمره محاولاً إنقاذ من تبقى منهمـ على قيد الحياة .
حاول وحاول كثيراً الإتصال بمحمد والذي كان قد وضع هاتفه في وضعية الصامت بعد أول إتصال رأه من مشعل هرباً من تذمر صاحبه من حياته وحديثه الذي لاينتهي عن عهود .
-
-
وبأذان الفجر أنقضت تلك الليلة وكان الخير فيها بعيداً عن أصحاب الشأن كل البعد فحياة مشعل باتت على المحك .
وحياة عهود كادت أن تنتهي لولا تدخل مهدي وتملقه لخالد ووالديه وثمـ تهديدة لها .
-
-
يصحى محمد على فاجعة حين يشاهد 65 مكالمة من صديقة لا بل شقيق روحه مشعل , محاولاً تدارك الوضع بالإتصال لكن لمـ تكن هناك إجابة . وفي طريقة إلى مركز الشرطة حيث يعمل لاحظ شيئاً جعل دمائه تتوقف عن الجريان داخل جسده .
-
-
يومـ جديد لابد أن يكون جديد وإلا لخسرت كل ما هو أت مع ماقد مضى هكذا حدثت نفسي وأنا أتأملها في المرآة .
-
-
أنتظرت خالد بفارغ الصبر لكنه لمـ يأت خطواتي عاجزة عن تخطي أي مسافة خارج إيطار غرفتي 
فأنا في مكان أعتبر فيه غريبة ومدانة في ذات الوقت .
فجأة سمعت الأصوات تتعالى همست لنفسي بـ يَا رب يكون خير . لكن الحظ كان قد أخذ حقائبه ورحل عن حياتي منذ زمن ليس بقريب . 
فجأه يدخل خالد الغرفة وهو في حالٍ يرثى لها وعلى ما يبدو لي أنه قد أسرف في الشراب ليرتمي على طرف السرير وهو يهذي بحديث لمـ أعي أغلبه . 
- الله لايسامحش كان يحاول يتحسن وكان عنده أمل إن حياته تتغير بعد ما يتزوج بس اللي سويته كسر ظهورنا كلنا .
كانت تلك { هدى } أخته الكبرى والتي ساهمت بشكل كبير في أيصالي إلى المذبح .
لمـ أعرها أهتمامي فلست مسؤولة عما حدث فذلك فعل قلبي وليس لي عليه سلطان .
-
كانت ساعات ذلك اليومـ تمر ببطئ , وبين الساعة والأخرى كانت بعض الأفكار الغبية تعصف بذاكرتي وكانت أقواها .
حين أهداني مشعل سلسالاً كتب عليه إسمي وأسمه كان أسمي هو ما يظهر للناس وإسمه بالعكس . 
كان ذلك في يومـ عيد الفطر كنت في الصف الثالث ثانوي وكانت تلك أول هدية من أول مرتب يتقاضاه . 
كنا نلتقي خلسه نتهامس ونبتسمـ ونختفي ولا أحداً سوى الله يرانا .
-
-
ياَ ترى بأي حال أنت الآن يَا مشعل .


-4-


غير محمد مسار مركبته ودون تفكير إتجه إلى منزل صديقه ليثبت لنفسه أنه مخطئ وأن مشعل لم يفعلها وينهي حياته كما كان يتوعد .
بخطى متثاقلة وصل إلى الباب تردد كثيراً قبل أن يضغط على الجرس .
-أيش أنا اسوي هنا الساعة 6:30 أيش بأقول لأبيه ولا كيف بأسأله عنه خصوصاً إن سيارته ماهي بموجوده .
خرج العمـ صالح ليشارك محمد القلق فملامح محمد كانت تخبر من يراه بأن مصيبة قد حصلت . 
-صبحك بالخير يَ عم . 
-وأنت بالخير . مشعل ماهو بمعك . 
-لا والله ماهو بمعي ولا أخبي عليك أني نزلته البارح عند سيارته وهو في حاله صعبه جداً .بس توقعت إنه يرجع البيت بعد الكلامـ اللي قلته له , ويوم وصلت ولاشفت سيارته تأكدت إنه مارجع والمصيبة إن .. 
-إن أيش ليه ما تكمل ؟!
-إن مسدسي ماهو بفي السيارة ومشعل الفترة اللي راحت ماعلى لسانه غير إنه بيقتل نفسه لو تزوجت عهود . 
تحجر الدمع في مقلتي العم صالح هزمته قامته وقبل أن يصل إلى الأرض تلقفته يدا محمد .
-أنا متأكد إنه بخير أوعدك إني بأرجعه بس أنت لاتقول لأحد شيء لين أكلمك .
-
-
دخل العم صالح وهو يفكر في حال زوجته المتسلطة لو حصل مكروهاً لنور عينيها مشعل كما أسمته دائماً , وزوجته الحامل بطفلهما الثاني ومنصور الذي نام وهو يسأل عن والده . 
-
-
لكن مشعل في تلك اللحظات كان قد نسي عهود وتسلط أمه الذي منعه من الإقتران بها , ونسي أيضاً حتى إسمه . 
فالموت كان يحوم حول روح الأم , والأب ليس منها ببعيد أما أبنتهما فقد نجت وكانت لاتنفك تسأل عن ذويها .
-
كانت إتصالات محمد لا تزال تنهال على هاتف صاحبه حتى الساعة 10صباحاً حين أنقطع الإرسال .
ذهب محمد إلى كل مكان يمكن لمشعل أن يفعل فعلته تلك فيه لكن النهار إنتصف وهو يبحث على غير هدى .
-
-
إصابة مشعل هو الأخر لم تكن بالهينة , وما إن اطمئن على رب تلك الأسرة حتى سقط مغشياً عليه من فرط الإرهاق. 
أسيقظ بعد ساعتان ليسأل عن حال الأم لتأتيه الأخبار بنجاتها وأن ملك الموت قد أجل زياته لوقت أخر .
خالج الفرح روحه قليلاً لكن رياح العشق سرعان ماعصفت بتلك الفرحة لتأخذها بعيداً حين سمع إحدى الممرضات تنادي زميلتها عهود . 
-
-
الساعة 5عصراً أستيقظ خالد من سكرته .
-إنت هنا ؟؟
-ليه وين تبغاني أروح ؟!
-روحي أي مكان أهم شيء ما أشوفش .
أنسحبت بهدوء وصعدت إلى سطح المنزل كان وقت غروب الشمس . 
ليس وقتا مناسباً فلي معه و الغروب حكايا لاتعد . لكن صوت العمـ حمد قطع سيل ذكرياتي قبل أن يبدأ .
-ممكن أتكلم معش شوي ؟ 
-أكيد تفضل ؟ 
-يمكن تعتقدين أنش المظلومة الوحيدة في هالزواج , ولا أخفيش لو واحد مثل خالد تقدم لوحده من بناتي ما كان زوجته. ويمكن تعتقدين إن خالد هو الظالم , بس هو مظلوم حاله من حالش . 
أنا المسؤول عن اللي أنت وخالد فيه , أنا أستغليت ظروف إخوانش عشان يوافقون يزوجونش ولدي . 
كان ممكن ألاقي وحده غيرش وظروفها المادية أصعب بس أنت أخوانش يبغون يتخلصون منش بأي طريقة . وهذا اللي خلاني أستعجل زواجكم .
أنا أدري بسالفتش مع ولد عمش . وأدري أنش بنت عاقلة ومستحيل تفرطين في هالعز وترجعين لعيشة الذل عند إخوانش , عشان كذا إرضي بولدي وأسعديه لأن ماعندش خيار ثالث . 
أتم حديثة معي وأنصرف .كان يحدثني بنظرة واثقة وهو مبتسم . 
هي الأخرى كانت تبتسم حين قابلتي ذات مساء وأخبرتني بحمل تهاني زوجة أبنها مشعل .
-
-
أن تعيش ذات التجربة وبنفس الألم ومع ذلك لاتستطيع التصرف حيالها أمر في غاية البشاعة .


-5-



ساعه انقضت افرغت خلالها ما كان يجثم على صدري في هيئة دموع . 
مشعل تخلى عني ولابد أن ابادله بالمثل لن أسمح له أن يسرق مني مستقبلي 
هو عدوي من الأن فصاعداً، كان هذا حديث قلبي المرهق عشقاً كنت أقول هذا وأعلم أني كاذبه وأن حبه يجري مني مجرى الدماء .
بأذان المغرب انتهت هلوستي بمشعل نزلت مسرعه لألوذ بجنبات غرفتي قبل أن يلمحني أحد وأنا على هيأتي تلك . 
فتحت الباب لأتفاجئ بخالد مستقبلاً القبلة ويستعد للصلاة . 
وبلؤم لم أعهده فيني من قبل 
- ما أنت بمضطر تصلي عشان تثبت لي شيء . 
تجاهلني وكأني غير موجودة .
فرغت من صلاتي ثم استأذنته لكي أهاتف والدتي ناولني هاتفه دون أن يلتفت وكأنه يريد أن يثير حنقي . 
قبل أن أجري الإتصال تذكرت بأني أقسمت أنها لن تسمع صوتي إن هي سمحت لأبنائها بتزوجي رغماً عني 
حاولت أن اتصل لكن كبريائي منعني . 
عادت الدموع لتملأ محاجري ناولته الجهاز وكنت أهم بالمغادرة . امسك يدي وجذبني نحوه 
- وين تبين ؟ ليه ما كلمتي أمش ؟! 
- ماابغى .
- ليه ؟! 
- ما ابغى وخلاص . 
- زعلانة منها لأنها رضيت تتزوجيني صح . تدرين أمش البارح وقبل تروح ايش قالت لي 
استغربت كثير حتى ماكنت مصدق إني تزوجت وحده امها طيبة بالصورة اللي كانت عليها أمش . 
كلامها عنش و دموعها خلتني احسدش عليها كثير ، تبغين تعرفين ايش قالت .
نزلت دمعتي رغم أني حاولت منعها 
- لا .. ماعادت تهمني لاهي ولا عيالها ولا كلامهم عني . فك يدي لو سمحت بأطلع .
- وين بتروحين ؟!
- بأطلع أدورلي شيء اكله .
كست ابتسامه لطيفه محياه ثم قال :
- عندي شور أطيب تجهزي وبنطلع نتعشى برا .
-
-
اجرى محمد اتصلاته الخاصة بمن هم اعلى منه في مجال عمله ، 
وبعد طول عناء خرجت دوريتان للبحث عن مشعل لتعود احداها بنبأ سعيد عثروا على المسدس تنقصه رصاصة لكن لم تكن هناك جثه ولا أثر لدماء .
ولأن الوقت كان ليلاً لم يتبين معهم الإتجاه الذي سلكه مشعل بسيارته . 
ولأن محمد كان مثالاً للجندي المخلص تغاضى رئيسه في العمل عن مسألة تهاونه في أمر المسدس . 
أذن العشاء ومحمد يتخبط في الشوراع بحثاً عن صديقه والأفكار السوداء تعصف بذهنه وتزيده أرقاً 
وإذا بهاتفه يرن . 
{ مشعل يتصل بك } 
يااااارب يكون خير تبعتها كلمة ألو من محمد 
ليصرخ فرحاً حين يأتيه صوت مشعل ويتأكد أنه لازال يتنفس في تلك اللحظه لم يكن يريد أكثر من ذلك . 
فمذاق الندم وإحساسه بخذلان صاحبه شيء بشع للغايه لم يعهده محمد في حياته من قبل .
-
-
زهور الأمل تأبى إلا أن تتفتح مهما شح عليها الهواء بذراته المشبعه ألماً .


-6-


اتصل مشعل بوالده طمأنه عن حاله وأخبره أنه سيعود للمنزل خلال ساعات وأن سبب غيابه هو تعرضه لحادث بسيط . 
وصل محمد إلى المكان الذي أتفق هو ومشعل أن يلتقيا فيه . طال حديث العتاب من محمد لرفيقه ومن مشعل لنفسه وكيف أن موت ابن العائلة التي اصتدم معها أيقظ في داخله أموراً كثيرة . 
ردد كثيراً
-الموت بشع جداً يا محمد بيظل هالكابوس يلاحقني طول حياتي . 
كنت أفكر في نفسي وكيف بأعيش بعد ماتزوجت عهود ونسيت الدنيا كلها وقتلته . 
-ما قتلهنت حد الصبي مات من الإصابة إنت مالك دخل . 
- لو كنت منتبه للطريق ومخفف السرعة ما صدمت فيهم ولا مات ولدهم . 
- هذا يومه لو ماكنت إنت اللي صدمت فيهم كان غيرك يعني الصبي مكتوب له يموت اليوم . 
- يا محمد افهمني أنا دمرت عايلة كاملة الأم والأب كان يمكن يموتون لولا إن الله ستر. 
- إحمد الله إنه ماصار لهم شيء والصبي الله يرحمه ويعوضهم بأخير منه . 
شاركهما الصمت طريق العودة و ما أن اقتربا من المنزل حتى عادت أفكار مشعل تلعب معه دور الجلاد . 
- ما أبغى أرجع البيت ماأبغى حياتي كلها كيف بأحضن ولدي وبألعب معه وأنا حرمت الناس من ولدهم . 
ولاكيف بأقدر أكمل حياتي وعهود صارت من نصيب واحد غيري ابغى عهود يا محمد وربي محتاجها جداً . 
- خلاص يا أخي البنت تزوجت وراحت الله يسترعليها عش حياتك وانساها عيالك محتاجينك ماهو بس عيالك أمك وأبيك وأنا . 
- سرقوا حياتي مني لا ماهي بحياتي اللي انسرقت أنا اللي سرقت حياتها أنا اللي زوجتها خالد 
- وش علاقتك بالموضوع اخوانهااللي زوجها بواحد منتهي إنت مالك حاجة.
- أناولد عمها أنا اللي أحبها أنا اللي مفروض إني مكانه ذلحين.
- ورضا أمك عنك تبيعه عشان مره .
- هذي عهود يا محمد الهواء اللي أتنفسه . 
- ماكنت أتخيل إنك أناني هذا متزوج وعندك ولد ومرتك حامل وعايش حياتك ماتذكرهنت إنك تحبها إلا يوم تزوجت وربي ستر عليها . 
- ربي علي يشهد إني أدعي في كل صلاة إن ماربي كتب لها معي نصيب يرزقها بواحد أفضل مني بس ما توقعت إخوانها يبيعونها لواحد منتهي .
- المنتهي يمكن فيه خيرلها ماهو بفيك الله قادر على كل شيء يمكن تكون عهود هي السبب في إن حاله ينصلح .
- والنعم بالله المهم مرتي بأوديها هالفترة بيت أهلها على الأقل لين أستوعب اللي صار معي وبعدها بأشوف أنا بأرجعها ولا لا . 
- ماأنت بصاحي وولدك ايش ذنبه هي أصلاً ايش ذنبها . 
- ذنبها إن ماني أحبهالحد هنا وخلاص تعبت وأنا أكذب على نفسي . 
- سو اللي يريحك الله يدلك على اللي فيه خير . 
إحساسنا بالذنب يكبر حين نكون أضعف حين نخسر من نحب حين نرتكب جرماً إنسانياً لايغتفر في حق الأبرياء وإن كانت البراءة التي نعرفها غالباً لم تتخطانا إلى ما سوانا .
الساعة الـ ٣فجراً دخل مشعل بيته الكل نيام ماعدا زوجته . 
استقبلته وكأنه لم يغب عنها للحظة لم يغب عليها الحال التي كان بها عيناه المتورمتان وصوته الأبح ، 
أنبأها قلبها بأن شوقه لعهود وندمه على تفريطه بها هو السبب . اعتصر قلبها ألماً لحالها وكيف أنها علقت نفسها بحبه وهو نايء عنها ومتيم بغيرها قطع سؤاله حبل أفكارها المر . 
- منصور راقد؟ 
- ايه .
- اشتقت له جداً ثم أجهش بالبكاء تخيلته منصور شليته وجريت فيه بدون وعي حاولت كثير عشان يعيش بس مات .
- ايش أنت تقول من اللي مات ؟
- ولد في نفس عمر منصور مات في الحادث أمس . 
أحست تهاني بالراحة حين علمت أن سوء منظره لم يكن بسبب عهود .
-
هكذا انقضت ليلة مشعل بالكثير من الألم والحسرة . أما عهود فكانت على الطرف الأخر من الحياة تقضي أول لياليها مع خالد فكيف كانت تلك اللحظات يا ترى .

-7-


فيما كان محمد متوجه إلى صاحبه وهو يحمد الله على نجاته .
كنت وخالد نسلك ذات الطريق متوجهين إلى أحد المطاعم لتناول العشاء .. شاركنا صوت نوال الكويتيه تغني :
-
-
-
-
بكى قلبي ألماً وشوقاً وربما غضباً على مافعلته مع مشعل حين سمعت صوت نوال .. فهي الوحيدة التي شاركتني ومشعل قصة حبنا طوال ١٢ عاماً . 
كانت نظرات خالد وابتسامتة لي بين الفينة والأخرى تزيدني ألماً و تذكرني بمشعل أكثر وأكثر . 
الشوق في داخلي إليه يكبر
وإشمزازي من نفسي وكرهي لها أيضاً كان يكبر 
صوت نوال ايقظ في داخلي بركان شوق لن تخمده توسلات السماء مهما فعلت .
-
-
أدركت أني كاذبة حين أوهمت نفسي بأني أستطيع التخلي عن ذكريات حبي له ونسيان أبسط تفاصيلة وتحركاتة .
-
-
كانت عينا خالد تنبض بالسعادة ودون أن أشعر كنت أتحاشى النظر إليها , قلبي مثقل بحب رجل أخر خذلته مرغمةً . 
ما أن أخذنا أماكننا في المطعم حتى قال خالد سأنسى الأمس بما فيه وسأفتح معكِ ولكِ صفحة جديدة في حياتي ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة فتحها وناولني إياها . 
- تفضلي هذي الهدية اللي كان مفروض أقدمها لش البارح بس . 
-تسلم شكله يجنن . 
- البسيه خليني أشوفه على يدّش . وإذا تبغين نسوي مثل الأفلام والبسش إياه ماعندي مانع . 
-تفضل وناولته يدي والخاتم وأنا مبتسمة . 
في لحظات استطاع خالد أن يغير مزاجي كان حديثه بسيط لكن ممتع . 
تحدث كثيراً في حين أخذت دور المستمعة و لوهله نسيت مشعل والعالم أجمع وفجأة تغيرت نبرة صوته ثم أمسك يداي وقال :
- تساعديني ؟! 
- أساعدك في أيش ؟!!
- أني أتغير وأرجع أنسان سوي .
- أكيد .
- أوعدش أني أحاول قد ما أقدر أني أتغير ماهو بس عشانش . حتى أنا مليت , حتى الصلاة بديت أصلي وبديت أخفف من الشرب . صح ما قطعته نهائياً بس بديت أخفف والله .
- مصدقتك من غير لاتحلف وأكيد إني بأكون معك في أي قرار صائب بتتخذه . 
-أوعدش أبذل كل جهدي عشان أسعدش وأوعوضش عن كل شيء خسرتيه . 
-لاتوعدني بشيء ولاتتكلم معي في هالموضوع وخل الحياة تمشينا بالطريقة اللي تشوف إنها صح . 
أمضيت مع خالد ساعات قد تكون من أجمل لحظات حياتي التي تلت حديث والدة مشعل معي لكي أرغمه على التخلي عن حلمنا والمضي في حياته .
-
-
فمنذ ذلك الحين والحياة تسقيني العلقم بجرعات تتفاوت في حجمها وألمها النفسي والجسدي .


-8-

في اليوم التالي تناولت طعام الغداء مع عائلة خالد كاملةً تعرفت على إخوته وزوجاتهم وأيضاً أخواته البنات وأولادهن . لطالما حلمت بعائلة كبيرة ومترابطة كالتي اجتمعت معها ذلك اليوم . 
نفوري من العم حمد تلاشى حين رأيت تعامله مع زوجته وابناءه 
كنت أغبط نفسي على لحظات الجذل التي عشتها بينهم . خرجت بعدها مع خالد إلى المزرعة ليريني اسطبل الخيول التي يعشقها وهناك . 
- بكرة ان شاء الله بنسافر بنروح ألمانيا منها شهر عسل ومنها عشان أبداء في العلاج ،بس 
- بس ايش ؟! 
- لازم تروحين لأمش مايصير نسافر وأنتِ زعلانة منها . 
- الموضوع هذا بالنسبة لي منتهي أرجوك لاعاد تفتحه معي . 
- بيهديش الله . 
.
.
في ذات الوقت كان مشعل يخبر زوجته بأنه سيسافر لأداء العمرة ليرتاح من ذنب الطفل الذي توفي في الحادث وأخبرها أنها ستقضي تلك الأيام في بيت والدها. 
وما أن أوصلها منزل ذويها حتى اتصل بصديقة محمد وأخبره بما فعل واقترح عليه الذهاب معه فوافق .
بعد المغرب كانت السعادة لاتزال تسيطر على عالمي الجديد . فجأة يرن هاتفي النقال والذي أهدانيه خالد ضمن هدايا كثيرة أعطاني إياها بعد عودتنا للمنزل . 
كان خالد هو المتصل أخبرني أن أنضم اليه في المجلس . 
ما إن اقتربت من المجلس سمعت صوت أخي مهدي تمهلت لحظات عليّ أكون مخطئة ثم دخلت وإذا بأمي معهما . 
- ايش اللي يصير من اللي جابهم ذولا هنا ؟! 
- أنا حبيت أسوي لش مفاجأة . 
- و أنا قلت لك لاتدخل لأن هالموضوع منتهي بالنسبة لي . 
مهدي يحاول التدخل : 
- بنت قصري حسش وأنت تتكلمين مع زوجش وتعالي سلمي على أمش أحسن لش . 
خالد: إنت اللي قصر حسك وإنت تتكلم معها ورجاءاً خلك محضر خير . 
بدأت أفقد السيطرة على نفسي فطلبت من خالد أن يأخذ مهدي ويتركاني مع أمي . 
- ليش جيتي يمه ؟!! أنا كنت بأجيش بكره . 
- زوجش اللي كلم مهدي وقاله يجيبني وإنت تعرفين أخيش لو قلت له لا وش كان سوا . 
- الله يأخذه ما كفاه اللي قد خذه . ليش يذل نفسه أكثر؟!! 
- لاتدعين عليه مجبور يسوي كذا عشانش . 
- يمه لاتكذبون الكذبة وتصدقونها ، إنتوا زوجتوني عشان الفلوس وإنتوا أخذتوا اللي يكفيكم وزيادة ليش تتخلون عن كرامتكم . 
- يعني مرضيش الوضع اللي كان إخوانش فيه وديون ابيش الله يرحمه بعدين إنش ذي مبسوطة وزوجش باين إنه طيب لولا ذا السم اللي يشربه . 
- بأكون مبسوطة لما تحافظون على كرامتكم ماهو بأول ما كلمكم عشان تجون نفذتوا أمره وكأنه ولي نعمتكم . يمه نفداش لاتخلين طمع مهدي يسيطر عليكم . وتذكري لو كان إبي عايش ما كان أعجبه الوضع اللي وصلتوا له .
-
-
قبلت جبين أمي ويداها وطلبت منها أن تصفح عني و أن تدثرني بدعواتها العذبه حتى أعود . صعدت بعدها لغرفتي والشرر يتطاير من عيناي . ما فعله خالد رغم حسن نيته إلا أنه اشعرني بصغر قيمتي عنده . 
تبعني خالد بعد مدة وقبل أن يبداء كلامه معي قلت : 
- أعذار الدنيا كلها مارح تغفر زلتك . كله ولاكرامة هلي ي خالد . 
- بس أنا ما أهنت كرامة أحد ، أنا بغيتش تشوفين أمش . وين الغلط في الموضوع ؟! 
- بس أنا قلت لك لاتتدخل . وبعدين فيه مليون طريقه غير اللي استخدمتها . هلي ماهم بمن ممتلكات أحد عشان بتليفون واحد تجيبهم أو توديهم . 
-
-
عندما تعيش في مجتمع مليء بالقاذورات البشرية التي تعتقد أنك ملكاً لهم وأن كرامتك مجرد ورقة بإمكانهم تمزيقها ببشاعتهم أنى شاؤو يجب عليك الذود عنها بأقصى مايمكنك .
ماحدث معي أمام أم مشعل وحديثها المسموم كان الدافع الأول لوقوفي في وجه خالد والتحدث معه بغلظة فالخطاء إن تكرر مرتان أصبح جريمة .

-9-

-
*ابيك بجنبي الليلة ترى كل الجروح صغار
كبير الجرح في ظنك أنا في ظني أصغرها 
وخل اللي سمع يسمع .. أساساً ما بقى أسرار
غيابك كسّر سكاتي وكل أسراري أظهرها .
-
-
في اليوم التالي وتحديداً في المطار واجهت مشعل ولحسن الحظ أنه وخالد لايعرفان بعض ارتبكت كثيراً فمنظره كان يوحي بأن هموم الدنيا قد إجتمعت في صدره . 
توسلت الله أن يزيح عنه ما أصابه وكنت أعلم بأن اليد الكبرى في ما آل إليه كانت لي . 
استقلينا ذات الطائرة ونزللنا في ذات المطار . تتبعته بنظراتي حتى غاب عن مدى رؤيتي بكيت بعدها كثيراً تمنيت لو أن بإستطاعي الذهاب بجسدي هو الأخر معه فليس من العدل أن يعيش قلبي في مكان وجسدي في أخر .
-
-
في ألمانيا وبعد عدة أشهر كانت حال خالد الصحية والنفسية متذبذة فكان كثير الصمت خصوصاً بعد جلسات العلاج و أحياناً أخرى يكون عصبي وبشكل مخيف . 
كنت على النقيض من حالاته مهما كانت محاولةً التخفيف عنه هم الألم والشوق للمسكرات . 
عشت فترات صعبه للغاية لكن أحد الأسباب التي خففت عني تلك الفترة شاب في الثلاثين من عمره . 
كنت أشاهده يومياً في الحديقة القريبة من السكن قبل أن أعلم أنه يسكن في الشقه المقابلة لنا تماماً . 
في البداية كانت نظراته ترعبني بل تجعلني أغير المكان حين أشاهدة فيه .
-
-
*غيابك علّم الدنيا تغيب وتذبل وتحتار
وعلمني عليك أبكي ألوم النفس وأقهرها
أبي ترجع تسولف لي تعلمني وش الأخبار
أنا أحب اختصر عمري في ليلة جنبك أسهرها
-
-
في إحدى الليالي التي خضع فيها خالد لجلسة علاج ما أن عدنا من المستشفى حتى غط في نوم عميق فخرجت لأقضي بعض المسلتزمات من المتجر .
وفيما كنت هناك استيقظ من نومه وأخذ يبحث عن بعض الأوراق لكن الأقدار شاءت أن يرى السر الذي أخفيته عنه طويلاً ( سلسالي والذي أهدانيه مشعل) وحين عودتي للمنزل وجدته في حالة سيئة بل كان الدمع يكاد يتفجر من مقلتيه . لم يلبث أن سألني :
- وشذا؟!
- سلسالي.
- أدري إنه لش بس وش اللي مكتوب عليه ومن هو منه ؟!
لم أجبه فكل شيء كان واضحاً كعين الشمس . 
- ومشعل من يكون !؟ ماهو بولد عمش !!؟ 
- عطني السلسال ؟! 
- إنت لحد ذلحين تحبينه !؟
حاول أن يتلفه لكن توسلاتي وبكائي تحت قدميه بأن لا يفعل منعته من ذلك . 
بل وأخبرته أيضاً بأن مشعل و حبه تمكنا مني وسلبا قلبي وكل جوارحي . 
وقف مشدوهاً من حالتي وما آلت أليه بسبب قطعه من الماضي . ولأنه رجل شرقي عز عليه البقاء رغم سوء وضعه الصحي بل خرج مسرعاً وكأنه يفر من قبره المحفور داخل المنزل . 
تبعته متوسلةً إياه أن يعود . لم يقل سوى ( إرجعي البيت ) كانت خطواته طويلة ابتعد كثيراً ولم أكن أملك سوى العودة حلاً . 
حين عدت وجدت باب المنزل موصداً مما حداني للجلوس على عتبات الدرج . متمنيه فنائي ففكرة أن يعود خالد لتناول الخمر بسبب ماحدث كانت ترعبني . 
-
-
*تعال ويكفي احراجي تعبت وما عرفت أختار
ترا ما بينك وبيني حلولي انت أكثرها. 
ولاني ناوي أحكي لك على اللي في غيابك صار
كفاك من الألم عيني ليمن شفت منظرها. 
-
-
خرجت بعدها إلى الحديقة المجاورة علي أرى خالد ولو من بعيد لكن دون جدوى . 
جلست على أحد المقاعد متأملةً السماء . خطر مشعل دون غيره في بالي ولو علم بأني سأبيت متلحفةً السماء وفي مكان لا أعرف فيه أحد ماذا كان سيفعل . 
عادت دموعي لتنهمر وبغزارة مريرة لم أعهدها من قبل .
-
-
أصعب لحظات الضعف هي حين تتذكر أن من هو أقرب إليك من روحك ومن سعادتك بيده وحده بعيداً عنك كبعد السماء . 


-10-


مشعل وزوجته كانا يعيشان فترة إضطراب وترنح مريرة هما الأخران فمنذ أن عادت تهاني إلى بيتها بعد غياب دام لأشهر أي بعد أن وضعت إبنتهما ,
وهما في شجار مستمر فمشعل يصر على تسميتها بعهود وتهاني تشجب وتستنكر معللة ذلك بأنه إهانة لها . 
ومابين شد وجذب تستمر حياتهما .
في تلك الليلة التي كنت أحوج ما أكون فيها لوجود مشعل بجانبي كان هو الأخر يتمنى المثل . 
بعد شجار طويل دار بينه وبين زوجته ترك المنزل مهدداً إياها بالطلاق لو تذمرت من اسم صغيرته . 
ركب سيارته تشاركه دموع الشوق والحنين للماضي .
الشوق الكبير الذي يسكن أرواحنا لن ينتهي حتى يأتي الموت .
-
-
بينما كنت أنتظر خالد في الحديقة كان مناف جاري عائداً . طال وقوفه بقربي وتردد كثيراً قبل أن يسألني عما بي . في البداية لم أجبه لكن مع تزايد إلحاحه أذعنت وأخبرته بأني لا أملك مفتاحاً للمنزل وأن خالد ليس بالداخل . 
لكن أسئلته لم تتوقف عند هذا بل أخذ يسألني لماذا أبكي ومالذي حدا بخالد لمغادرة المنزل من دوني . 
لم اجبه والتزمت الصمت .
طلب مني بعدها الدخول إلى منزله لأن الأجواء بالخارج كانت باردة جداً رفضت بشدة وطلبت منه تركي لوحدي . 
دخل شقته وأخبرني بأنه سيترك الباب موارباً وطلب مني أن لا أتردد في طلب مساعدته متى شئت .
-
-
بعد شروق الشمس بساعة تقريباً خرج مناف من منزله حاملاً كتاب وكأساً من الشاي الساخن ومعطف وضعها بجانبي ولم يمهلني حتى أن أشكره بل اكتفى برسم ابتسامة عظيمة على محياه وانصرف. 
ليعود بعد ساعة ومايزيد عليها ومعه خبراً ساراً فما أن إقترب مني حتى قال :
- صباح الخير .
- أهلاً صباح النور. 
- يله قومي تعالي معي . 
- عفواً على وين ؟!!!
- لقيت زوجش ورجعت عشان أخذش وأوديش عنده . 
- آسفه بس ايش اللي يضمن لي إنك صادق . 
-الله يسامحش البارح طول اللي مانمت وقعدت أحرسش واليوم رجعت هالمسافة كلها وفي الأخير تشككين في صدقي . 
- ماطلبت منك تحرسني هذا أولاً وثانياً وين لقيت خالد وايش عرفك إنه زوجي ؟!!
- شكراً .. زوجش لقيته في مقهى المستشفى اللي يتعالج فيه حاولت أكلمه بس على مايبدو إن حالته صعبه شوي فرجعت عشان أخذش لعنده .
-
-
ذهبت مع مناف إلى حيث قال , دخلت المقهى فلم أجد خالد بحثت أيضاً في أروقه المستشفى ولم أجده وفجأه إلتقيت بالدكتور المسؤول عن حالته وسألته إن كان قد رأه . 
أخبرني أن خالد منذ البارحه وهو يحاول معه لأخذ جرعات مكثفه من العلاج لأنه يئس من طول الإنتظار . 
وأخبرني أيضاً أن فعله هذا كان نتيجة لصدمه نفسية قوية . نصحني بأن أنتبه لخالد في هذه المرحلة بالذات فهي أخطر مراحل العلاج وأن نسبة إنتكاسته وتدهور وضعه الصحي كبيرة جداً .
ثم أرشدني بعدها إلى المكان الذي يجلس فيه خالد وفيما أنا أقطع المسافة إلى هناك .
صادفت مناف يدفع عربة تقعد عليها إمرأه كبيرة في السن نسيباً ويبدوا أنها أمه . 
تذكرت أني لم أشكره أو حتى أعتذر منه لقبح فعلي فأتجهت إليهما .
-
-
الخطيئة الطاهرة تجر ورائها بحراً من الأخطاء التي يصعب تداركها .

-11-



قبل أن أعتذر من مناف طلب مني التريث لحين يسلم والدته إلى الممرضة المسؤولة عنها ليتفرغ للحديث معي . إعتذرت منه على عجالة شكرته كثيراً وانصرفت .
أحسست من نظراته أنه يريد أن يقول شيئاً لكن مزاجي لم يكن في حالة تسمح بالإستماع إلى أي حديث .
-
-
توجهت بعدها إلى خالد قابلني بإبتسامة مرهقة لم أكن أتوقعها بل لم أكن أتمناها . 
إشمئزازي من نفسي يتكاثر بطريقة عجيبة حاولت الإعتذار فلم أستطع . تحججت بالعطش حتى أخرج من الغرفة توجهت إلى المقهى جلست في إحدى زواياة أندب حظي وأبكي . 
-
الخيانة فعل قبيح وأن تشعر بأنك ترتكبها رغماً عنك أمر أقبح .
لم أتعمد الإحتفاظ بالسلسال أبداً لكني أيضاً لم أكن لأفرط فيه . فهو من مشعل من وتينَ قلبي وأبْهَره . 
-
-
كنت منكفئة على نفسي وأنا أبكي ولم أشعر بمناف حين جلس أمامي 
فجأة قال: - دموعش من البارح ماخلصت علميني ليش تبكين ؟!! 
طال سكوتي وكأني أستجمع شجاعة أهل الأرض جميعاً لكي أعترف . نعم أعترف فخطيئتي الطاهرة تعتبر جرماً يستحق الإعتراف في نظر من هم حولي ثم قلت : 
أنا وحدة خائنة أعيش بجسدي مع رجل وروحي وعقلي وكل جوارحي مع أخر . 
سكت لوهلة ضحك بعدها طويلاً ثم قال وهو يحاول أن يكتم ضحكاته . 
- عذاب الحب هو اللي يبكيش تصدقين نفسي أجرب الحب قبل أموت وأعيش عذاباته 
تزوجت مرتين الأولى بنت عمي وطلقتها بعد شهرين والثانية بنت خالتي تزوجتها من سبع سنين وعندي منها بنتين وولد بس لاذي حبيتها ولاذيك بعد . 
أصلاً أنا غير مؤمن بوجود الحب وعذابه أحسها كذبة يكذبها الواحد على نفسه ويبدأ يعيش فيها . يعني إنتِ ذلحين متوهمه إنش تحبين واحد غير زوجش وتحسبين سعادتش معه مع إن هالشيء غلط 
إنتِ كذبتي على نفسش وصدقتي الكذبة واللي يكذب مرة بيقدر يكذب مرة ثانية يعني مثل ما أوهمتي نفسش بحب ذاك أوهميها بحب ذا وبتعيشين في سعادة . 
كان يتحدث بطريقة غريبة كانت نظراته ثابته توحي بأنه يخبئ شيء خلفها إلتفت إلي ثم قال : تذكري اللي يقدر يكذب مره يقدر يكذب مرات ثم إنصرف .
علمت من خطواته السريعة وهو يبتعد أنه كان يتحدث عن نفسه تجنبه للنظر في عيناي عندما كان يتحدث كان خوفاً من أن أكشف سره .
لم أندم لتسرعي في كشف أوراقي أمامه فمنذ أول حرف سمعته منه إطمئنت نفسي إليه وأحسست أني أعرفه منذ أزمان . 
-
-
مشعل يخرج من المحكمة وفي يده مجموعة أوراق يركب سيارته ويتجه إلى حيث يعمل محمد صديقه في مركز الشرطة . 
-هلا غريبة جايني للدوام ايش اللي صار. 
- طلقتها . 
-ما أنت بصاحي مافكرت في عيالك ولا كيف بتقول لها.
-ماني بقايل لها بأحطها عند هلها وبأعطي أبي الورقة يعطيهم ياها من بكرة .
- وأمك مافكرت وش راح يكون موقفها قدام أخيها . 
- ماعاد يهمني حد قد مايهمني إني ماعاد أظلم ناس أكثر ظلمت ناس واجد في حياتي أولهم عهود وأخرهم عيالي 
- والله ماظلمت حد قد ما أنت ظالم نفسك . 
- بتزين بإذن الله بتزين .
-
-
أن تنهب حياة وفرحة شخص أنت بالنسبة له أغلى مافي الوجود أمر ليس بالهين 
تهاني كانت تحب مشعل بالقدر الذي يحب فيه عهود الكل من حولها بما فيهم أخواته أخبروها أنه لايستحق ولائها له نصحوها كثيراً بهجره لكن أمر الحب كان أقوى . وهاهي تجني مازرعته يداها . 
مشعل لم يظلمها فالمظلوم يستحيل أن يصبح ظالم لكن قوانين العشق صارمة . 
ودع مشعل أبنائه وأخبرهم أنه سيعود وصوتاً في داخله كان يقول 
سأغيب عن نجران بأكملها ولن أخبر أحد ولن أعود إلا وأنا جثة هامدة . سأترك الكل أمي وأبنائي وذكريات عهود وأرحل .

-12-

مشعل هو من أسماني كان دائماً يقول لي بأنه عشقني من اليوم الأول لي في الحياة . 
صور كثيرة تجمعنا وذكريات أكثر تختبئ في تفاصيلها لا أعلم حتى اللحظة هل لازال يحتفظ بها أم لا .
أن تقتل إنساناً وتنهي حياة قد عاشها جريمة عظيمة لكن الأعظم أن تقتل جنين أحدهم قبل أن يخرج للحياة . 
هذا كان مصير بذرة حبي ومشعل لم يكتب لها حياة ووأدت بإجحاف في رحم قلوبنا إلى الأبد .
-
-
بعد أن سكبت كل مافي عيناي من مياة مالحة قررت أن أصعد إلى خالد وأعتذر منه وأقطع له من الوعود أصدقها "ظاهرياً "
بأني سأكون له كما أراد وأن مشعل إنتهى .
أثناء توجهي إليه صادفت إمرأه حامل ابتسمت في داخلي حين تذكرت أن بإمكاني أن أصبح أماً. 
غيرت وجهتي ونزلت إلى المختبر إستفسرت عن إجراءات تحاليل الحمل وبعد أن إنتهيت منها صعدت إلى خالد والذي كان يغط في نوم عميق . مرت الساعة وكأنها دهر والأماني بداخلي تمارس هوايتها اللعينة فواحدة تتمنى ذلك واخرى تتمنى العكس . 
قبل أن أنزل لأستلم النتيجة بربع ساعة إستيقظ خالد من نومه . 
- متى جيتي ؟! 
- من زمان بس إنت كنت راقد . 
- نادي الممرضة خليها تشيل ذي الأبر مني خليني أطلع أشم لي هواء . 
الأصوات بداخلي تتعالى والأفكار تلعب بي يمنه ويسره بين أن أخبره بأمر التحليل أو أسكت . 
في الممر كانت يدي تعانق يده وبعد طول تفكير قلت :
- بننزل للمختبر . 
-ماحللت اليوم لأن عادني محلل أمس . 
-بس أنا حللت . 
- ليه وش اللي يوجعش . 
-ولاشيء بس كذا لازم أحلل . 
-ليه لازم تكلمي خلي عنش حركات الألغاز ماني أحبها . 
-وين الألغاز ؟!! بعدين خل عندك شوية صبر ذلحين بتعرف .
-
-
رحل مشعل ولم يخبر أحداً عن وجهته مرت ثلاث أيام بلياليها وهاتفه مغلق . حتى كان اليوم الرابع إتصال من رقم غريب على هاتف محمد بعد منتصف الليل . 
-الو !!
كان صاحب الصوت يرتجف وكأنه يبكي . 
-محمد أنا عمك صالح أبغى أنشدك عن مشعل أكيد عندك خبر وين هو سافر . 
- لا والله ماعندي خبر ومن ثلاث أيام أدق عليه وتلفونه مغلق . ايش قومك صوتك ماهو بطبيعي .
-عموماً كلنا متأكدين إنك تدري وين مكانه كلمه وقله إن اخيه فارس مات .
-
-
فارس الأخ الأصغر لمشعل والذي لو إستطاع أن لايتنفس إلا بأمر من مشعل لفعل .
" بالرغم من هيجان عاطفة مشعل وإنسياقه خلف قلبه المعبأ بذكريات عهود إلا أنه إنسان بكل معاني الكلمة أب و إبن وأخ وصديق يندر وجوده "
- لا حول ولاقوة إلا بالله بس والله العظيم مدري وين مكانه والله .
-
-
إنتهت أيام العزاء الثلاث ولم يبن لمشعل أثر دفن أخاه وهو غائب كانت والدته تهذي طوال الوقت بإسمه وهي متيقنه بأن مكروهاً أصابه .
كانت في قرارة نفسها تتمنى لو أنها دفنت حية ولم تقف في طريق حبه . لكنها لم تكن تعلم بأنه حبه لعهود كان أكبر وأعمق حتى من حبه لذاته . أنانيتها هي من سرقت ضحكاته بل فرحة حياته بأكملها .
-
-
الندم لايجدي بعد فوات الأوان بل لم يخلق مثل هذا الإحساس إلا ليزيد الأمور بدواخلنا سوءاً .


-13-

استلمت نتيجة التحليل وكانت بالإيجاب . غمرتني فرحة بكيت من شدتها أحسست أن الكون بأكمله لن يسعني 
خالد أيضاً لم يكن أقل مني جذلاً .. 
أمضينا الساعة الفاصلة بين المستشفى والبيت نخمن مانوع الجنين وماذا سنسميه لأول مرة من خمس سنوات أشعر بهكذا سعادة .
-
-
مشعل كان يتنقل إستعداداً لحياته الجديدة في قطر بعد أن قدم أوراقة على أحد الشركات ولأن خبرته في مجال الهندسة عظيمة جاءه القبول في غضون أيام
قرر قبلها أن يعقد وجهته إلى أحب الأماكن على قلبة مسجد النبي عليه أطيب الصلوات 
بالفعل قضى هناك قرابة الإسبوع وفي أخر يوم واجه أحد زملائه الذي ماأن قابله حتى بدأ بالإعتذار لعدم حضوره لتأدية واجب العزاء .
لم يستوعب مشعل ماذا كان زميلة يقول , كما أن زميلة فُجع لردة فعله فكيف لايعلم بوفاة شقيقة والتي قد مضى عليها أكثر من اسبوع. 
-
-
مر اسبوع كامل لم ألتق فيه بمناف ولاحتى في الحديقة غيابه كان يسرق بعضاً من فرحي وهنائي . بعد ذلك بيومين إلتقيته في المستشفى كان يقرأ كتاباً كعادته ما أن رأيته حتى ابتسمت . 
- غريبة المجنونة تبتسم ؟!!
- ليه المجانين مالهم رب . 
- علميني ليش تبتسمين . 
- لأني شفتك . 
- بديتي تتعلمين الكذب ايه خليش كذا . 
- ما كذبت هذا الصدق , بس إنت قلي ليش كذبت علي هذاك اليوم .
اسئلة كثيرة طرحتها عليه كان يجيب عليها بتهكم منكراً أن قلبه قد عاش مايسميه بالكذب . 
باغته بسؤالي حين قلت : 
- تحبها ؟!! 
- ماحد يحب كذبته إلا المجانين . 
- وإنت عاقل . 
- لا .. بس عندي حياة أعيشها ، عندي عيالي (منال وعبير وثامر) وعندي أمي المريضة و زوجتي وخواتي الخمس . 
- وهي ؟!! 
بعد أن طال سكوته ونظراته الخالية من الحياة في المارة قال : 
- ماتت .
لم تخرج تلك الكلمة وحدها بل حملت معها كماً مضاعفاً من الزفير المؤلم . 
لم أنطق بربع حرف فالسكوت في بعض المواقف أفضل من إبتذال أحرف كاذبة وإن كان منبعها القلب . 
انصرف مناف بعدها بهدوء ومنذ ذلك الحين لم أتجراء حتى على الإعتذار منه أن تكون سبباً في إيقاظ جراح الغير أمر مقزز لم يكن في إعتقادي أني سأجربه يوماً . 
-
-
قطع مشعل المملكة من غربها إلى الجنوب خلال سبع ساعات فقط بل كان يتمنى لو أن يقف بسيارته جانباً ويقطع تلك المسافة ركضاً . 
وصل أخيراً جال البيت بأكلمه يصرخ باسم فارس لكن الإجابات أبت إلا الإجماع على أن فارس والذي كان زواجه بعد أقل من شهرين قد رحل بلا عودة . 
لم يتنظر شمس الصباح حتى تشرق بل توجه مع والده الى المقبرة بكى هناك كثيراً طلب من فارس أن يغفر له ذنباً لم يرتكبه . 
الموت يأتي بلا موعد مقوله كلنا نعيها جيداً لكن ما نعرفه أن قيمة من سلبه الموت منا تتضاعف حين يغيب .


-14-

بعد أن انصرف مناف 
بدأت في البكاء تمنيت لو أن بإستطاعتي اللحاق به وإحتضانه لكن لم أستطع , وإن كنت في مكان تشيع فيه الإنسانية بشكل مفرط فقيد العرف يكبلني .
أن تفارق من تحب ولو مرغماً أمراً هين لكن أن تنقطع أنفاسه من الوجود شيء لايحتمل دعيت الله سراً بأن يكون مشعل بخير فمجرد التفكير في أن سوءاً أصابه يكاد قلبي ينزع من مكانه ..
-
-
استيقظ مشعل مرهقاً بعد ساعات من النوم المزعج والمتقطع . اتصل بمحمد فهو ملاذه الوحيد بعد الله ،
طالت ساعات ذلك اللقاء حاول محمد إقناع مشعل في العدول عن قرارة في العودة إلى قطر لكن محاولاته بائت بالفشل . 
فكما قال مشعل لم يعد يربطني بنجران سوى الحزن والذكريات المؤلمة . 
بعد ثلاثة أيام قضاها مشعل في نجران غادرها واعداً والداه بالعودة متى سنحت له الفرصة .
خالد أصبح أفضل حالاً من ذي قبل عصبيته تلاشت نوعاً ما والفضل يعود لجنينا الساكن احشائي في المقام الأول ولمناف الذي أصبح صديق له بعدما طلبت منه ذلك . 
علاقتهما كانت جميلة رغم الفوارق الكبيرة بينهما فمناف أستاذ جامعي وخالد لم يحصل حتى على الشهادة الثانوية . 
نجح مناف أيضاً في إقناعي على إكمال دراستي . 
عارض خالد الأمر في البداية بحجة قرب إنتهاء فترة علاجة ومتعذراً أيضاً بحملي لكنه رضخ لرغبتي في النهاية .
ثمانية أشهر تمر بسرعة البرق هاهو العم صالح يقف أمام منزل والد تهاني منتظراً خروج حفيداه بعد أن تزوجت أمهما بأحد أقاربها . 
بينما يقف خالد أمام غرفة الولادة منتظراً خروجي وطفلتنا بالسلامة . 
انجبتها انثى مثلما كنت اتمنى واسميتها ( أثير ) 
أحببتها من اللحظة الأولى لها في داخلي لكن حبي لها تضاعف حين رأيتها . أقسمت أن أعيش حياتي لها وبها . 
-
-
مناف سافر عائداً إلى المملكة قبل ولادتي بثلاثة أشهر بعد أن تكللت رحلة والدته العلاجية بالنجاح , غيابه شكلا فارقاً في حياتي أنا وخالد على حد سواء . 
و هو كان أول شخص يعلم بخبر ولادتي فهو صديق خالد الوحيد وأخي وشقيق قلبي الأكبر .
-
-
انهى خالد فترة علاجه حاول اقناعي على العودة متحججاً بشوق والدته لطفلتنا لكني لم أكن لأتخلى عن طموحي الذي يعود الفضل لمناف في غرسه بداخلي .
كنت أرفض العودة إلى نجران حتى في الإجازات مثيرةً إستغراب خالد مرات وغضبه مرات أخرى .
-
-
عقدة الذنب بداخلي كانت تكبر يوماً بعد الأخر فوجود أثيرتي لم يزد الأمور بداخلي إلا سوءاً ..
-
-
سم الحب قاتل يطال أقصى بقاع أرواحنا فيفتك بها .

-15-

في إحد ألأيام وبعد عدة أشهر أنشغلت بالمذاكرة بعد خروج خالد وأثير للتنزة فإختباراتي كانت وشيكة لكن الحنين لايختار إلا أصعب الأوقات ليفتك بقلوبنا المرهقة شوقاً .
كنت أرى مشعل في كل حرف أخطه وفي كل صفحة أقلبها .
فجأة جائتني رسالة من مناف :
- على حسب ما أذكر بكرة أول يوم في إمتحاناتش الله يوفقش .
على الفور بعثت إليه برسالة :
- جربت الحنين ؟!!
جاء رده سريعاً على هيئة إتصال :
- ذاكري وخلي عنش الخرابيط أنا راهنت على نجاحش وماعندي إستعداد أطلع خسران قدام زوجش .
كان مناف على علم بكل تفاصيل حكايتي مع مشعل .
حاول جاهداً تغيير مزاجيتي السيئة ويصرف بعضاً من حنيني بحديثه عن شوق أختاه للقائي وعن تصرفات أطفاله الجنونية . نجح ذلك في بدأ الأمر لكن ما أن أغلقت الهاتف حتى عادت صورة مشعل لتعبث بقلبي .
-
-
انقضى اسبوع إمتحانتي على خير و بعد أن استلمت النتيجة اتصلت بمناف ،
وبعد سيل التحيا والمجاملات
- مناف ماعاد أقدر اتحمل كل يوم أكرهني أكثر من اللي قلبه . كنت متوقعه إن وجود أثير بيغير من وضعي شوي بس للأسف كل ما تذكرت إنه في ديرة وزوجته في ديرة بعيد عن عيالهم أحتقر نفسي .
- لأانش غبية و لا ايش اللي يأكد لش ظنونش إنها طلقها عشانش لاتظنين إنش محور حياته الوحيد .
- لو ماني بالسبب الرئيسي أكيد بأكون أحد الأسباب الثانوية .
- ايش تبغين تسوين شوقش وحنينش له ما عاد له قيمة صار عندش بنت وزوج يحبش كثير فكري فيهم .
وبالمناسبة يمكن لو تهورتي وسويتي شيء مشعل ( كذبتش ) ماعاد يرضى فيش .
- بس أنا ماعمري فكرت أتهور حتى ماطرى في بالي إنك ممكن تفكر فيني بهالطريقة .
- أنا مافكرت في شيء كلامش واضح .
- بس .
- لاتحاولين تبررين ما أنت بمضطرة إعتذر بلهجة جافة وأغلق الخط .
-
-
حاولت النوم تلك الليلة ولم أستطع لم أكن افكر بما دار في بال مناف أبداً فمن المستحيل أن أجرح خالد وأعبث بحياته بعد كل الذي عاناه لأجلي وفوق هذا فلا مجال للمقارنة بينه و أثيرتي .
كتبت لمناف رسالة وضحت له فيها إندهاشي من طريقته في الحديث معي وأنه ظلمني بظنه السيء فمشعل أصبح ماضياً منذ أن داست أمه على كرامتي قبل ٥ سنوات ولم أفكر ولو للحظة أن أدمر حياتي الحالية لأجله .
-
-
لم أجرب الحنين بكل هذة القسوة فمن قبل كانت تأتيني نوبات قصيرة منه لكنه مؤخراً زاد بي كثيراً حتى طغى على كل مشاعري الأخرى فأخرسها .
كانت الدموع وسيلتي الوحيدة للتنفيس عما يخلتج بصدري وهو الأخر لم أكن أهنىء إلا في غياب خالد عن المنزل أو في فترات نومه .
-
-
في تلك الفترة أيضاً كثرت المشادات الكلامية بيني وبين خالد وذات مساء كان يشاهد مباراة طلب مني أن أحضر له القهوة وبالفعل كان له ما طلب لكنها لم تعجبه لم يطلب مني تغييرها بل قام بنفسه لفعل ذلك مما أثار غضبي و بإنزعاج قلت :
- ليش ماقلت لي أغيرها .
- راسي يوجعني وابغى اتابع المباراة خلي مشاكلش لبعدين .
- مشاكلي !! قلتها بصوت عالي .
- ايه مشاكلش ما أنتِ ملاحظة إنش في الفترة الأخيرة بس تدورين للمشاكل على اتفه الأسباب ودايم معصبة وما تصدقين إني أدخل أرقد عشان تبكين براحتش .
- يعني إنت تقول إني أختلق المشاكل معك لأن في بالي شيء إنت ما تدتدري عنه .
- ماقلت شيء بس إنتِ تغيرتي كثير في الفترة الأخيرة .
كتمت غيضي و أخذت أثيرتي وخرجت من المنزل مع أن الوقت كان متأخر تجولت في الحديقة طويلاً وبعد ساعتان عدت للمنزل إعتذرت ببرود من خالد ونمت .
الهرب كان أنجع حلولي وأولها على الدوام فالمواجهات أخذت مني مشعل ولست مستعدة لخسارة ما هو أكبر .

-16-

في اليوم التالي كان أول مافكرت القيام به هو الإتصال بأمي فهي خياري الثاني للراحة في الحياة بعد مشعل . 
كنت على الدوام متأكدة أن لا أحد يحبني سواهما وبما أن وصولي لمشعل بات من ضرب المحال اتصلت بها 
طال حديثي معها وعلى غير العادة استمعت لها وكأنها المرة الأولى التي أسمع فيها صوتها الملائكي . 
اشتكت من تجبر أخي الأكبر عليها وعلى إخوتي كانت تبكي بحرقة وتلوم نفسها لأنها سمحت له منذ البدء بالتحكم في حياتنا بعد وفاة والدي . 
شعرت ببعض الراحة بعد أن سمعت أمي تدعوا لي لأني كنت بأمس الحاجة لمثل تلك الجرعات الدافئة من الصدق المختزل في صوتها . 
-
-
مشعل كان يستغل كل ثانية من وقته في العمل مرهقاً نفسه وسالباً راحة جسدة حتى غزى الشيب معظم رأسه . 
وبالرغم من أنه إجتماعي ومحباً للناس إلا أنه لم يصادق أحد هناك وكانت علاقته بالكل سطحية جداً . 
-
-
بعد نهار طويل قضيته في إنهاء بعض أعمالي المنزلية أمسكت هاتفي النقال وإذا برسالة من مناف . 
- أول ماينام خالد كلميني أبغاش ضروري . 
ولأن خالد كان خارج المنزل اتصلت به على الفور . 
- أهلاً خالد راقد . 
- لا ماهو بفي البيت ليش وش هالموضوع المهم اللي ماتبغاه يعرفه . 
- حاولتي تكلمين مشعل في الفترة الأخيرة . 
- لا ليش ؟ 
- متأكدة . 
- إنت متصل تحقق معي ؟!! 
- جاوبيني كلمتيه أو هو كلمش ؟
- مناف انتبه لكلامك ترى مو من حقك تغلط علي . 
- مشعل في ألمانيا وأنا ما كلمتش عشان أحقق معش بس وضعش في الفترة الأخيرة خلاني أشك إنه جاي عشانش . 
- تصدق إنك طلعت واحد تافه وأنا كنت معتبرتك أخي . بعدين ايش عرفك إن مشعل في ألمانيا صاير تراقبه هو الثاني . 
- لأني أخيش فعلاً إتصلت أنبهش قبل تغلطين أكثر . 
- انتبه لكلامك أنا ما غلطت من البداية . 
أغلقت الهاتف وأنا أرتجف كلام مناف وأفكاره إستفزتني بقوة. 
عاود الإتصال أكثر من مره لكني لم أجبه بعث برسالة 
ردي ضروري بس بأقول كم كلمة وبعدها سوي اللي يريحش . 
- نعم 
- لاتفهميني غلط أنا ماراقبت مشعل بس إخي في ألمانيا يحضر مؤتمر وبالصدفة قال لي عن رئيس الوفد الخليجي اللي طلع هو نفسه مشعل ولد عمش . 
كنت اتجنب إتصالتش عشان ما أضغط عليش وأجبرش تسوين شيء إنت مو مقتنعة فيه كنت أبغاش تأخذين القرار بنفسش . بس خالد دايم يشكي لي من عصبيتش الزايدة ووجود مشعل في ألمانيا وفي هالفترة بالذات خلاني أخاف عليش . 
- أولاً اللي قلته مو خوف هذا شك وطعن في الشرف . وثانياً هذا إنت قلته مشعل رئيس الوفد يعني جاي في شغل ما جاء عشاني . 
- لو ماني أعزش ما أتصلت أنبهش . 
- تنبهني من ايش أنا قلت لك إن ضميري يأنبني عشان عياله لأن أمهم تزوجت وسافرت وخلتهم وهو الثاني بعيد ماقلت إني أفكر أطلب الطلاق من خالد عشان أرجع لمشعل . 
- زين أنا آسف بس أنا ما أبغاش تغلطين مثل ما غلطت من قبل . أنا أعرف الحب وقد جربته قبلش . 
- مهما كان هالشيء ما يعطيك الحق تهينني وقبل لاننتهي عندي سؤال واتمنى تجاوبني عليه بصراحة إنت قلت لخالد عن سالفتي مع مشعل ولا عن فكرتك السوداء عني ؟ 
-ولاعمري فكرت أقول سرش لأي مخلوق . الله يسامحش كان هذا تفكيرش فيني صدقيني بغيت مصلحتش .
- أتمنى تكون صادق وحتى لو كان العكس حكايتي مع مشعل حكاية حب بريئة وما يهمني لو عرفها خالد .
أغلقت الهاتف حتى دون أن أودعه .
-
-
دائماً أنعت نفسي بالساذجة لكن هذة المرة الأولى التي تأكد لي فيها أني حقاً ساذجة مهما كان مناف مختلف عن بقية الرجال فهو رجل يكبله العرف الشرقي الأخرق . 


-17-


حاولت التماسك والسيطرة على أعصابي قبل عودة خالد إلى المنزل وبالكاد نجحت .
بعد أن تناولنا طعام العشاء أخبرته أني لا أمانع العودة إلى نجران وأن أمر الدراسة يمكن حله فيما بعد . و ماهي الا أسابيع قليلة وأصبحنا في نجران . 
الحياة من حولي هنا تضج بالسعادة لكنها في داخلي متوقفه .
حاول مناف كثيراً التواصل معي بعد أخر مكالمة بيننا لكن محاولاته بائت بالفشل . 
-
-
في نجران كثرت لقائته مع خالد وفي أحد الأيام أخبرني هذا الأخير أن أم مناف وزوجته سيأتون لزيارتنا 
بالفعل بعد يومين كانوا في ضيافتنا لم أكن أتوقع أن تتوطد العلاقات بين حماتي وأهل مناف بتلك السرعة فهي إمرأة متطلبة ومحبه للمظاهر وهم على العكس تماماً .
-
بسب إنشغال خالد في العمل مع والده كنت أقضي معظم وقتي في منزل أمي هرباً من نيران حماتي ومعاملتها لأثيرتي التي كانت تتعمدها لإثارة حنقي .
كانت تستغل الفرص لتثبت لخالد أني أم فاشلة وكانت تردد عباراتها اللئيمة على مسامعي في كل وقت وأمام الجميع .
-
-
في أحد الأيام التي كنت أقضيها عند أمي انشغلت عن أثير بالحديث مع وزوجة أخي فجأة سمعت صراخ الأطفال يتعالى لم يخطر في بالي أبداً أن أثيرتي هي من تأذت . 
لا أعلم عن تفاصيل وصولي للمستشفى أي شيء كل ما كان يهمني هو سلامتها . 
بعد ساعة أخبرني الدكتور أن يدها كُسرت لكن الخطر بعيد عنها والحمد لله . 
أثناء ذلك وصل خالد ووالدته التي أخذت تكيل علي الشتائم بل كانت تتهدني بحرماني من طفلتي . 
-
-
في طريق العودة للمنزل طلبت من خالد أن يوصلني بيت والدي لأخذ أغراضي ، دخلت المنزل ودعت أمي وطمأنتها على صحة أثير وحين خرجت لم أجد السيارة ، 
نفذت تهديدها وأخذت ابنتي ركضت كالمجنونة خلفهم لكن يبدوا أنهم قد ابتعدوا كثيراً . 
ادخلتني أمي وهي تردد "حسبي الله ونعم الوكيل فيهم " اتصلت بخالد توسلته أن يعيدها لكنه و بكل برود أخبرني أنه لايستطيع أن يعصي لأمه أمر وأن معها حق فأنا أم مهملة ولابد له من تأديبي . 
-
-
ثلاثة آيام مرت لم أذق فيها طعم شيء لا نوم لا أكل ولاحتى ماء
حتى كان اليوم الرابع جاء خالد وأثير ليست معه أخبرني أنه لن يسمح لي بأذيتها ثانيةً و إن انتبهت لها وإلا فهو ليس بحاجتي .

انصدمت من موقفه معي وكيف تبدل ونسي كل ما قد عانيته لأجله حين كنا في ألمانيا ،
لم أنطق بحرف واحد و مشيت خلفه كالبهيمة عقلي كان رافضاً العودة وبشدة لكن شوقي لأثير فاق المعقول . 
-
-
مشعل أيضاً كان يقضي إجازته السنوية في نجران رغم كل البعد الذي بيننا إلا أن وجوده معي نفس المكان يشعرني بالسعادة . 
حين أخبرني مناف قبل بضعه أشهر أنه في ألمانيا أحسست بأني طفلة لاهموم لها فقط لأننا نتنفس ذات الهواء .
-
-
مساكين هم العشاق يتمسكون بخيوط أوهن من خيوط العنكبوت فقط ليثبتوا للحياة أنهم لازالوا فيها .


-18-

حماتي كانت تسقيني كؤوساً من الذل وفي غياب العم حمد كانت تزيد جرعاتها لأنها وفي حضورة تكون أشبه بالملاك لكن ما أن ينصرف حتى تعود لما كانت عليه . 
كنت اتجنبها قدر المستطاع لكن صوتها كان يصلني أينما كنت حاولت استفزازي كثيراً لكن صمتي كان لها بالمرصاد . 
منعتني من اصطحاب أثيرتي عند زيارتي لأمي فإقتصرت زيارتي لها على ساعات محدودة من كل اسبوع . 
-
-
كبرت الفجوة بيني وبين خالد كثيراً وأكتشفت أني لم أحبه قط كل تلك المشاعر تجاهه كانت مجرد هروب من الواقع أو ربما شفقة لحاله أنذاك .
-
-
في أحد الأيام اضطررت للذهاب معها الى عائلة مناف . عندما علم مناف بأني هناك توسلني كثيراً حتى أسمح له برؤيتي .
كان ردي على كل رسائله "لا " 
قبل مغادرتنا لمنزلهم دخل للسلام علينا وفي السيارة وصلتني رسالة منه . 
- نحفتي جداً وباين عليش الهم بشكل كبير . 
كانت غرفتي هي الملاذ الوحيد لي في كل ذلك الكابوس وما أن تخطيت عتابتها في ذلك المساء حتى دخلت في نوبة بكاء عنيفة . 
كنت في بعض الأحيان التمس بعضاً من الندم في حديث خالد . 
- ليش تبكين ؟!! 
- تسألني وكأنك ماتدري عن شيء . 
- المفروض إنش قد تعودتي على اسلوب أمي . 
- اسلوبها تعودت عليه بس اسلوبك كيف اتعود عليه . 
- ليه وش سويت ؟!! 
- ولاشيء خلاص خلني في حالي . 
- عهود سكوتش الدايم يزعجني ودي انش مثل أول ماتزوجنا تناقشيني وتدافعين عن نفسش قدامي وقدام أمي ، صرت سلبية تجاه نفسش جداً . 
-سلبية لأنك صاير تعاملني على إني غريبة وكأنك تحاول تثبت لأمك إني ولاشيء بالنسبة لك . 
- بصوت الإنكار نطق بـ أنا . 
- لاتمثل إنك مو حاس كيف تغيرت طريقة تعاملك معي من أول مارجعنا وتأييدك لأمك في كل شيء تسويه فيني
- بالعكس ماني أؤيدها وصدقيني لو تكلمتِ ودافعت عن نفسش كان وقفت معش .
- وليش ماتدافع عني إنت ماني بزوجتك . وحتى لو تكلمت على قولتك ودافعت عن نفسي وش يضمن لي إنك ما ترميني مثل المرة الأولى لما انكسرت يد أثير . 
غادرته و دخلت الحمام أغلقت الباب بقوة وبكيت كما لم أبكي من قبل أخرجت كل الدموع المتراكمة في داخلي ولو أني متأكدة أن بعضها عنيد وسيحاصرني في أرذل الأوقات .
-
-
في واحدة من احدى رسائل مناف الكثيرة أخبرني لماذا ظن أني أحاول هدم بيتي لأجل مشعل ،
معللاً ذلك بخوفه من أن يحدث لي ماحدث معه عندما طلق ابنة عمه رامياً برضا والده عرض الحائط لأجل حبيبته منال التي رفضته انتقاماً لكرامتها لتتزوج أعز اصدقائه والتي توفيت بعد سنة من زواجهما في حادث سير .
لم أكن أملك حلاً أخر فاتصلت به . 
- أخيراً يَ مجنونه . 
- دون أيه مقدمات قلت
- بأطلب الطلاق . 
- لا تتهورين أكيد فيه حل . 
- ماعاد أقدر استحمل أكثر . 
- فهميني ايش اللي صار . 
أخبرته بطريقة تعامل أم خالد معي وعن سكوت خالد الغريب على كل إهاناتها لي . 
-
-
لامني كثيراً لسكوتي لها منذ البدء وغرس فكرة الإستقلال في منزل خاص بداخلي . شعرت بالكثير من الراحة بعد مكالمتة وللحق لو لم يكن مناف في حياتي لكان طعمها أكثر مرارة لكن الكبرياء أحياناً يجبرنا على فعل أشياء لانودها كهجري لمناف طيلة تلك الفترة .
بالفعل أقنعت خالد بأن نستقل في منزل وأنه لايملك خياراً ثالثاً فإما هذا أو الطلاق . 
وقع الخبر على والدته كالصاعقة لكنها لاتملك أبداً حق الممانعة فالبت في مثل هذا الأمر بيد العم حمد لابيدها .
-
-
ماهي إلا أيام قليلة وأخذت حريتي . عادالهدوء لحياتي وزال الكثير من التوتر الذي خالطها سابقاً . لكن الفراغ الذي شكله تعامل خالد معي في تلك الفترة لم يمتلئ وأعتقد أنه لن يفعل أبداً .


-19-

تدهورت حالة والدتي الصحية في فترة وجيزة وخصوصاً بعد دخول أخي الأصغر السجن بسبب تعاطيه الخمر . 
في ساعات أحدالأيام الأولى أفقت على صوت هاتفي النقال وإذا بأخي الأكبر يخبرني أن والدتي في المستشفى وأن زوجته الحامل لن تستطيع الإعتناء بها وأني من يجب عليه ذلك . 
-
-
كان ذلك قبل سفر مشعل عائداً إلى قطر بيومين .
في المستشفى تفاجأت حين سمعت صوته لا بل صعقت وانتابني خوف شديد فلأول مره منذ خمس سنوات ويزيد سأقابله وجهاً لوجه . 
ماهي إلا لحظات وتم اللقاء، مددت يدي لمصافحته وأنا أرتجف .
اطمأن على صحة أمي وانصرف سريعاً . مع أن بقاؤه لم يستمر إلا دقائق معدودة إلا أني لم أترك أصغر تفاصيله إلا وحفظتها داخل قلبي قبل ذاكرتي .
ما أن خرج حتى دخل خالد . مزيج من التناقض عم أجزاء عقلي ، للمره الأولى أدرك أن صوت خالد بشع مقارنة بصوت مشعل حتى لمسة يده كانت خشنة في حينها . 
تجنبت النظر في عينيه أو حتى التحدث إليه مكث عشر دقائق أو أقل و كأنه يجثم على قلبي . 
-
-
سحقاً لعنه الحب لن تتركني حتى أموت .
-
-
صوت الأجهزة فضلاً عن بكاء اثيرتي الذي خُيّل لي سماعه كانت سبباً كافياً لطرد النوم من عيني تلك الليلة . 
خرجت أتجول في ممرات المستشفى ،
كنت أرى مشعل في كل زاوية ، لعنت نفسي كثيراً وفكرت لو أن كنت أعلم بأن كرامتي لن يكون لها قيمة بعد أن أصبح أماً لما تخليت عن مشعل أبداً . 
-
-
طغت فكرة الاتصال به على كل الأفكار في عقلي لم استطع المقاومه أكثر ، وبالفعل اتصلت جائني الرد سريعاً وأنا أرتجف نطقت . 
- مشعل أنا عهود أقدر أخذ من وقتك شوي 
مضت ثواني صمته وكأنها دهراً بأكمله 
- مشعل !! 
- يَ روح مشعل !! 
كانت تلك الكلمة بالنسبة لي كالشعرة التي يقال أنها قصمت ظهر البعير . 
طال صمتي بعدها خفت كثيراً وندمت أكثر لكن الفأس قد وقع على رأسي ولابد من إنهاء ما بدأت فيه .
- عادك زعلان مني ؟!
- لو كنت زعلت منش للحظة وحدة كان قد مت ، بس لو تقولين لي ليه ؟! 
- لم أتمالك نفسي فبكيت ، ماعاد يهم ذلحين أهم شيء إني عرفت إنك مسامحني . 
- بلا مهم ؟!! ايش اللي صار وخلاش تنقلبين علي بذيك الطريقة خليني ارتاح وعلميني . 
- عمتي كانت رافضة ولحد ذلحين هي تكرهني . 
- بس أنا قلت لش إني مستعد أسوي كل شيء لين ترضى بس إنت . 
- إنت ماتعرف شيء . 
- طيب علميني ليه ايش اللي صار وخلاش تتصرفين بكل ذيك القسوة . 
- ماعاد ينفع أقول شيء كل شيء انتهى . 
- دامه انتهى ليش كلمتيني وليش سآلتيني إذا عادني زعلان أو لا ؟!! 
- اوعدني إنك ماتسوي شيء وإن كل شيء بيبدأ هنا بينتهي هنا .
- اوعدش بس إنتِ تكلمي . 
- أمك طال "صمتي بعدها وكأني أسحب الأحرف من بئر عميق 
" جاتنا للبيت وعلى مسمع أمي هددتني بصراحة وقالت إنها مستعده تكذب على الناس
وتقنعهم إنك تزوجتني عشان تستر علي بعد اللي صار بيننا وكان عذرها لو الناس لاموها إنك رجال مايعيبك شيء هذا في حال تزوجنا قبل ما يقتلوني اخواني . 
- ايش ؟!!! و ليش ما قلتي لي في وقتها ليييييش ؟!! 
- إنت لو شفت منظر أمي وهي تبكي وتتوسل أمك وتوعدها إني بأخليك كان تمنيت الموت .
- أنا قلت لك ذاك الزمان أني ما أحبك وأنا كنت صادقة فيها ذاك اليوم حسيت بأن كره أهل الأرض كلهم تجمع في قلبي لك . كنت واقفة معك وصورة أمي وهي تترجى أمك قدامي . 
أنا ماقلت لك في حزتها عشان ما تكرهها عشاني لأنها تبقى أمك مهما سوت . 
-
-
التضحية أسوء سيئات الحب . 

-20-


قبل أن اتصل بمشعل كان برفقة صديقه محمد ، جاء اتصالي ليقطع حديثهما . 
بعد أن تأكد مشعل بأني المتصلة استأذن صاحبه في الإبتعاد وبعد أن انتهت المكالمة عاد إليه بالكثير من الخيبة . 
-من ذا اللي كلمك وشذا المكالمة الطويلة وفي ذا الحزة . 
- ليش ماحد يقدر يكره أمه ؟!! 
- ايش اللي صار من اللي كلمك ؟! 
- عهود . 
- عهود بنت عمك ماغيرها وش تبغى منك وين زوجها منها ؟!! 
- ماتبغى شيء بس تبغى تعتذر مني. 
- عادها تذكرت تعتذر ذلحين بعد ماصار عندها بنت . مشعل انتبه لا يصير شيء ماهو بفي الحسبان .
- شيء مثل ايش يعني ؟!
- إنت قبل فترة قلت إنها متزاعلة مع زوجها وإن حماتها ماهي بطيبة . وذلحين مكلمتك بعد اللي سوته فيك وبعد كل ذي السنين .
- محمد انتبه لكلامك . 
- ايش انتبه له مالها إلا ذا التفكير وحدة داقة عليك بعد نص الليل لا وقايلة لك كلام عن أمك . 
يكفي اللي قد صار لك بسبتها لحد ذلحين ترى والله أنا اللي بآتصرف معها لو حسيت إنها تبغى تتمادى . 
بعصبية يرد مشعل
- ليش راح تفكيرك بذا الإتجاه ليش دايم تقدمون سوء الظن على غيره ، عهود انظلمت مثلي وأكثر . 
- بس كل شيء انتهى ومن زمان ايش اللي خلاها تكلمك اليوم أصلاً ليش محتفظة برقمك . 
- لاتسيء الظن عهود أطهر من الماء ومستحيل تغلط .
هي في المستشفى مع عمتي وأنا أمس العصر كنت عندهم وماجاها النوم ولأن ضميرها يأنبها بعد ماطلقت تهاني وبعد الكلام اللي قالته لي من قبل اتصلت تعتذر وأنا أجبرتها تتكلم وتقول لي كل شيء . 
- المهم إذا كنت تحبها صدق لاتتمادى معها ولاتسمح لها تغلط .
بتلك المكالمة أزحت حملاً ثقيلاً عن ظهري ، لا يهمني إن كرِه مشعل والدته بعد الذي عرف عنها فهي لاتستحق من المحبة شيئ . 
في اليوم التالي وبعد انتهاء الزيارة اتصل مشعل ليودعني وفي لحظة ضعف وافقت على طلبه بأن نبقى على إتصال خصوصاً بعد أن قال : 
-{ ماتتصورين حاجتي لش ولحروفش دايم إنت المدد الروحي لي }
أخبرني قبلها أنه قريب من المستشفى وأنه سيبعث لي بهدية صغيرة مع إحدى الخادمات .
ماهي إلا دقائق ووصلني كيس محكم الإغلاق وبداخلة علبة فتحتها وإذا بداخلها علبة أصغر وهكذا حتى فتحت أربع علب وبقيت الخامسة
دموعي ونبضات قلبي كانتا على رِتم واحد فهذا كان اسلوبه معي على الدوام حين يبعث لي بهدية كان يلِذْ له تعذيبي توقفت طويلاً قبل أن أفتح أخر علبة وفي الأخير فتحتها فوجدت
” بيضة“كندر سبرايز” 
مع سيل الدموع على خداي اطلقت ضحكة كبيرة احسست أن كل من في الأرض سمعها . لم أتمهل ولاثانية فاتصلت به . 
- بضحكة قال : 
- ايش رايش في المفاجأة 
- بلكنة تغلب عليها الرسمية قلت : 
- جداً جميلة شكراً . 
- هااااه ؟!! اطلق هذا الإستفهام ثم اعتذر وقبل أن يغلق الخط قلت : 
- مشعل إنت عارف إنت ايش بالنسبة لي بس ذلحين عندي خالد وأثير يعني لاتفهم إتصالي غلط صح اللي بقلبي لك عمره ماراح يتغير بس .. 
- حتى لو فكرتي تغلطين وتهدين بيتش عشاني آنا مارح أسمح لش أنا أبغى آتواجد في حياتش كأخ أو صديق فقط لاغير . 
- متأكد ؟!! 
- مثل ماني متأكد من طهارة قلبش ونقاوته . 
- طيب المفاجأة كانت تجنن واستغربت إنك لحد ذلحين تذكر إني كنت احبها بس والله إنك بخيل جايب لي حبه بس .
قطع موعد إقلاع الطائرة حديثنا وادعته ودعيت له في سري أكثر مما دعيت له وهو يسمع . 
-
-
اسبوعان مضت وحالة أمي متذبذة كان خالد نادراً ما يزورنا وإن هو أتى يكون منشغل بأجهزته الذكية عنا . يقضي عشر دقائق قد تنقص أوتزيد حسب مزاجه ثم ينصرف . 

-
-
شمس الأمل لابد أن تشرق مهما حاولت سحب اليأس حجبها .


-21-


مناف كان يصر على زيارة والدتي مع أني حذرته أن لايفعل وإن هو أتى فليحضر زوجته معه لكنه رفض لأنهم لاتعرف عن علاقتنا شيء 
ولحسن الحظ كان خالد هناك حين أتى ما أن رأه يقترب حتى أبعده ليقول له :
- مناف اعذرني بس إنت كذا تتمادى . 
- ليش أتمادى حن صرنا نفس العايلة ذلحين وأنا ما أشوف عهود إلا مثل أختي .
- هالكلام بيني وبينك ، وش بيكون موفقي من أنسباي وأنت جاي تزور امهم ، لو سمحت اطلع ولا تسبب لنا مشاكل حن في غنى عنها .
بالفعل غادر مناف وفي ذلك اليوم اتصل بي خالد بعد منتصف الليل . 
- هلا خالد أثير فيها شيء . 
- لا يعني ما يصير اكلمش إلا إذا أثير فيها شيء. 
- لا بس بس استغربت لأنك المفروض تكون راقد. 
- أكيد مناف كلمش وقالش إنه جاء المستشفى اليوم .
- ايه وقال لي عن موقفك تجاهه . 
- وزعلتي .؟! 
- بالعكس كانت سعادتي ماتوصف لمن عرفت باللي صار منك وقلت له إن معك حق وطلبت منه يعيد حساباته وبالفعل اعتذر وقال إنه تصرف عن حسن نية . 
- اشوى كنت شايل هم زعلش .
- لا مستحيل أزعل منك بالذات في مثل هالأمور وقلتها لك قبل لو علاقتي بمناف مزعجتك تأكد إني مارح أتردد في إنهاءها أبداً . 
- مافي شيء مزعجني ولو ماني واثق فيش ما سمحت لش من البداية بهالشيء . 
خلينا من مناف ذلحين علميني ما اشتقتي لي . 
تحدثنا بعدها كثيراً في أمور المنزل وعن شوق أثير لي وعن غضب حماتي بسبب غيابي الطويل . 
-
-
اسبوع اخر قضيته مع أمي في منزلها وبعد تماثلها للشفاء عدت إلى بيتي أدركت حقاً أني كنت بحاجة إلى الإبتعاد عن خالد حتى تعود حياتنا إلى ما كانت عليه .
مع أن خالد لم يتغير فلا يزال عمله في المرتبة الأولى لكن هذا الغياب جعله يدرك كيف ستكون حياته بدوني . 
-
-
لا زالت اتصالي بمشعل مستمرة وإن كانت قليلة في تلك المرات التي نتحادث فيها يفرغ كلاً منا ما بداخله من هموم على أسماع الثاني بدون خوف
عذاب ضميري كان كفيلاً بقتلي في اليوم مئة مرة فكنت أقنع نفسي بعد كل مكالمة بأن خالد هو الأول في حياتي وأني يستحيل أن أدنس إسمه ولكن ذلك لم يكن حديث قلبي أبداً بل عقلي هو القائل .
-
-
في إحدى المرات أخبرني مشعل أن صحة والدته لم تعد تسمح لها الإعتناء بطفليه كما يجب فـ ارتأى أن تلك هي فرصتي الأخيرة للعيش بسلام ، اقترحت عليه أن يتزوج وفي كل مره كان يحاول التهرب من الموضوع بأعذار واهية
لكن تلك الليلة التي قد اقتنع أن يعيد تجربة الزواج 
كنت مدعوة لحضور زواج أخو مناف وبالصدفة كان العروس أخت محمد صديقه فتعرفت على امه وأخواته وجذبتني أحداهن فتقصيت عنها وما أن عدت إلى المنزل اتصلت به قائلة .
- لقيتها . 
- وش هي ؟!!
- زوجتك . 
- ومن تكون يمه ؟! قالها ضاحكاً منذ البداية وهو يلقبني بـ { يمه } لأنه وكما يقول أن الأمومة هي في تعاملي وإعتنائي به وأنه لم يعرفها من غيري أبداً . 
- منى أخت محمد صديقك شفتها اليوم في عرس اختها وترى بتكون غبي لو ماتزوجتها .
- ما أنت بصاحية منين عرفتيهم .
- المعرس يكون أخي مناف عدوك قلتها وأنا أضحك .
-لحد ذلحين ماقد استوعبت ردة فعل زوجش وانه سامح لش تستمرين في صداقة ذاالمناف . 
- مناف أخي اللي ماولدته أمي وزوجي واثق فيني . لاتغير الموضوع ودق على محمد واطلب أخته منه . 
- لا . 
بعد محاولات عدة رضي وبالفعل ماهي إلا ساعات حتى اتصل يخبرني أن محمد رحب به قائلاً له بالحرف الواحد . 
- ماعندي أغلى منها إلا إنت وإعتبرها جاتك هدية . 
-
-
صحيح أن النوم لم يلامس جفناي تلك الليلة لكن كان هناك شيء بداخلي يخبرني بأن ما أفعله صواب فإن لم يستطع خالد أن يحتل قلبي فأثير قد فعلت . 


-22-

أحاول اخفي احساسي لكن بالعشق مفضوح 
تشوف الفرحة في عيني وأحبك بالعقل والروح .
-
-
مضت ٦آشهر وها هو مشعل في نجران ، مساء أمس كان عقد قرانه على منى وبعد اسبوع سيكون زواجهما . 

-
-
في ذلك الإسبوع لم أرد على اتصالات مشعل ولا حتى رسائله وقبل زواجه بيوم كتب لي : 
والله لو ماتردين علي وذلحين ماتشوفيني إلا عندش في البيت . 
اتصلت به والدمعة تفيض من عيني وأخبرته أن عوارض الحمل متعبة وأن مزاجي سيء وأني لم أجب على كل اتصالاته حتى لا ينشغل باله معي .
كنت متأكدة من أني أكذب لأن مابي من ألم كان يفوق كل الألام التي يمكن تخيلها . 
طيلة ذلك الإسبوع لم يهنأ لي بال ، خالد ايضاً لاحظ ذلك ولكنه كلما حاول أن يسألني عما بي تحججت بمسألة الحمل . 
-
-
بعد مكالمتي لمشعل توضأت واستقبلت القبلة صليت ركعتان لله بنية إزاحة الهم بكيت بعدها كثيراً دعيت الله بأن ينفس ضائق خاطري لأنه وحده يعلم مابي . 
تمنيت لو أن ينزل صوت من السماء يخبرني بأني لا زلت طاهرة وأن دموعي تلك لم تكن بسبب خياتني لزوجي . 
-
-
وفي اليوم التالي كنت هناك بعد أن إذن لي خالد بالحضور. بعد أن اقنعته بأن حضوري ليس لأجل مشعل بل لأجل أن أسد كل طريق سيأتيني منه حديث مؤذٍ إن أنا لم احضر . 
-
-
كنت قد اتفقت مع مشعل بأن نلتقي وبأن ذلك اللقاء سيكون الأخير و أثناء إنشغال النسوة بتناول طعام العشاء اتصلت به وبالفعل ماهي إلا دقائق حتى أخبرني بأنه ينتظرني . 
لأول مره منذ خمس سنوات كاملة نلتقي وليس معنا سوى الله حافظاً ، 
مسك يداي وقبلهما كما كان يفعل في كل لقاءاتنا السابقة سحبتها منه وقلت والدمعه تكاد تغلبني 
- الله يبني بيتك . 
- لاتبكين نفداش لا بكيتي والله لأبكي . 
- هذي دموع الفرحة قلتها وأنا امسح دمعتي . 
-أخرجت علبة من حقيبتي فتحتها وكان بداخلها ساعة مرصعة بالألماس أمسكت معصمه والبسته إياها ثم وضعت يدي بجانبها لأريه أني أرتدي الساعة ذاتها لكن في قالب نسائي .
-
-
يضيع منا الكلام حين نكون في أشد الحاجة إليه مضت بضع دقائق والصمت هو المسيطر علينا فاستأذنته بالمغادرة وقبل أن أخرج قال وصوت الدمعة يغالب صوته : 
- لين الموت صح ؟! . 
أشرت له بأن نعم إلى الموت . 
بعد ساعة كان هناك على المنصة هو وعروسه وصوت الفرح يملاء المكان 
-
-
نكذب حين نعتقد بأن أسعد لحظات حياتنا هي تلك التي يسمونها بليلة العمر أسعد لحظات حياتنا قد تكون في نظرة نتبادلها مع من نحب بعيداً عن كل مظاهر الحياة الزائفة .
لا أكذب إن قلت أن سعادتي إكتملت حين رأيته يبحث عني بعينيه وسط تلك الحشود .
-
-
بعد يومين وأنا أبحث في حقيبتي فوجئت بعلبة فتحتها فوجدت اسورة من الذهب الأبيض وورقه صغيرة كتب عليها 
-
-
أحبك حب ما أقدر أعاند فيه احساسي 
لقيت الحب شيء أكبر من إني أخذ أنفاسي .
مقطع من أكثر أغنية رددناها سوياً وأكثر شطر شاركنا قصة الحب تلك بدأنا به وبه إنتهينا . 
-
-
بعد عدة أشهر انجبت طفلتي الثانية سعدنا بها كثيراً أسمها خالد المها تيمناً بوالدته .
التي منذ ذلك الحين وهو تحاول اقناعه بالزواج من أخرى بحجة أني ناقصة ولن أنجب له إلا البنات .
خالد رافض الفكرة تماماً ولو أني أرى أنها لن تنفك عن مرادها حتى يتم . 
مناف لايزال صديقي وشقيق روحي الذي لم تنجبه أمي . 
-
-
أما مشعل فقد كانت أخر مكالمة بيننا قبل حوالي شهر أي بعد زواجه بثلاثة أشهر حين اتصل ليخبرني بأن زوجته حامل .
-
-
هكذا هي الحياة منصفة لكن إنصافها لا يكون إلا بعد فوات الأوان . أو أنه يكون في أوانه لكن عقولنا تتأخر حتى تستوعب ذلك .
-
-
-
تمت .. 
ياسمين الناصر . ٢٩ - ٧ -١٤٣٤هـ





المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياة في الظل ..}

ليت الزمن يرجع وراء .. }

يَ قلبها قلبي ..}